سعيد حوي
1577
الأساس في التفسير
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ . لقد أقامت الآيتان اللتان هما محور سورة الأنعام من سورة البقرة الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية ، وكلاهما مرتبط بظاهرة الخلق ، وهاهنا تتحدث الآيات الثلاث عن هذه الظواهر كلها ، وفي هذه الآيات الثلاث يقول صاحب الظلال : « إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة ، إنّما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل « الخلق » ودليل « الحياة » ممثلين في الآفاق وفي الأنفس ، ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا ، لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة ، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ، وحركة التدبير والهيمنة ؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل ؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير اللّه ؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه . ووجود السماوات والأرض ، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه ، كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق ، ويوقع فيها اليقين بوحدانية اللّه ، والوحدانية هي القضية التي تستهدفها السورة كلها - القرآن كله - وليست هي قضية ( وجود ) اللّه . فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق ، بصفاته الحقة ؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله ! . . . ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية ، ولتقرير الحاكمية ، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار اللّه . والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلّها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كيلا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقة الذي توفره العقيدة ! . . . . إن وجود هذا الكون الذي ابتدأ بهذا النظام الخاص ، يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبّر ، فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها ، إلا بتصور إله ينشئ ويخلق ويوجد هذا الوجود . . . . كذلك نشأة هذه الحياة . والمسافة بينها وبين المادة - أيا كان مدلول المادة